تشكل موجة البرد القارس التي تشهدها عدد من المناطق الجبلية والقروية بالمغرب تحديًا موسميًا يتطلب تعبئة استثنائية من طرف السلطات العمومية. وفي هذا السياق، تبرز تعبئة وزارة الداخلية لمواجهة موجة البرد كعنوان بارز لسياسة استباقية تهدف إلى حماية الساكنة المتضررة، وضمان سلامتها الصحية والاجتماعية، خاصة في المناطق المعزولة والمرتفعة التي تتأثر بشكل مباشر بانخفاض درجات الحرارة وتساقط الثلوج.

تغطية ترابية واسعة تشمل عشرات الأقاليم والجماعات
أفادت معطيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية أن عملية التدخل لمواجهة موجة البرد شملت 28 عمالة وإقليمًا، موزعة على 243 جماعة ترابية، وما مجموعه 2018 منطقة ودوارًا. هذا الانتشار الواسع يعكس حجم التحدي المناخي الذي تعرفه المملكة خلال فصل الشتاء، خصوصًا بالمناطق الجبلية التي تعاني من الهشاشة البنيوية وصعوبة الولوج.

وتُظهر الأرقام أن أغلب المناطق المستهدفة تقع في المجال الجبلي، حيث إن 1482 منطقة، أي ما يعادل 73,4 في المائة من مجموع المناطق المعنية، توجد على ارتفاع يتراوح بين 1500 و2499 مترًا، بينما توجد 29 منطقة أخرى، بنسبة 1,4 في المائة، على ارتفاع يفوق 2500 متر، ما يجعلها أكثر عرضة لمخاطر البرد القارس والعزلة.

التركيز على المناطق الجبلية الأكثر هشاشة
تُعد المناطق الجبلية من أكثر المجالات تأثرًا بموجات البرد، نظرًا لخصوصياتها الجغرافية والمناخية، إضافة إلى محدودية البنيات التحتية والخدمات الأساسية. لذلك، ركزت تدخلات وزارة الداخلية على هذه المناطق ذات الارتفاعات الكبيرة، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، ويزداد خطر تساقط الثلوج وانقطاع الطرق.

ويهدف هذا التركيز إلى تقليص آثار موجة البرد على الحياة اليومية للسكان، وضمان استمرارية التزود بالمواد الأساسية، والحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالبرد الشديد، خاصة في صفوف الفئات الأكثر هشاشة.

تكفل خاص بالفئات الهشة والمعرضة للمخاطر
ضمن مقاربة إنسانية واجتماعية، أولت وزارة الداخلية أهمية قصوى للفئات الهشة، التي تتأثر بشكل مضاعف بموجة البرد. وتشير المعطيات إلى أنه تم تأمين متابعة وتكفل مباشر بـ665 شخصًا بدون مأوى قار، عبر توفير الإيواء المؤقت والمواكبة الاجتماعية اللازمة.

كما شملت عملية التكفل 2790 سيدة حامل، في إطار الحرص على تتبع أوضاعهن الصحية وضمان ولوجهن إلى الخدمات الطبية، إضافة إلى 18 ألفًا و722 مسنًا، ممن يحتاجون إلى رعاية خاصة خلال فترات البرد القارس، سواء من حيث التدفئة أو المتابعة الصحية والاجتماعية.

تعبئة موارد لوجستيكية مهمة للتدفئة والدعم اليومي
لمواجهة آثار البرد القارس، جرى برمجة توزيع حوالي 4540 طنًا من حطب التدفئة، لفائدة الساكنة القاطنة بالمناطق المتضررة، وذلك بهدف تمكين الأسر من وسائل التدفئة الأساسية خلال فترات انخفاض الحرارة.

كما تم توفير 10 آلاف و421 فرنًا محسّنًا، يُساهم في تحسين ظروف التدفئة داخل المنازل، وتقليص استهلاك الحطب، والحد من المخاطر المرتبطة بوسائل التدفئة التقليدية. وقد تمت هذه العملية بتنسيق وثيق مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات، في احترام للبعد البيئي والاستدامة.

تنسيق متعدد القطاعات لضمان نجاعة التدخلات
تميزت تعبئة وزارة الداخلية لمواجهة موجة البرد بتنسيق محكم مع عدد من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية. فقد جرى التعاون مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خاصة فيما يتعلق باستعمال بعض المؤسسات التعليمية كمراكز إيواء مؤقتة عند الضرورة.

كما شمل التنسيق وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، لضمان الجاهزية الصحية، وتوفير الأطقم الطبية، وتتبع الحالات المستعجلة، خصوصًا في المناطق التي يصعب الولوج إليها خلال التساقطات الثلجية.

الطرق وفك العزلة: أولوية استراتيجية
يُعد فك العزلة عن المناطق المتضررة من موجة البرد أحد المحاور الأساسية في هذه التعبئة الوطنية. وفي هذا الإطار، تم تسخير 1024 كاسحة ثلج، بتنسيق مع وزارة التجهيز والماء، ووضعها بشكل استباقي على طول المحاور الطرقية الحيوية.

وتهدف هذه الخطوة إلى ضمان التدخل السريع عند تساقط الثلوج، والحيلولة دون انقطاع حركة السير، وتأمين وصول المساعدات والفرق الطبية، وتفادي عزل الدواوير والمناطق الجبلية لفترات طويلة، بما يحمله ذلك من مخاطر إنسانية واقتصادية.

مقاربة استباقية قائمة على الرصد والتدخل السريع
تعكس هذه الإجراءات اعتماد السلطات العمومية لمقاربة استباقية، تقوم على الرصد المبكر للتقلبات المناخية، والتدخل قبل تفاقم الأوضاع. فبدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية، تسعى وزارة الداخلية إلى التخطيط المسبق، وتعبئة الموارد البشرية واللوجستيكية في الوقت المناسب.

وتُساهم هذه المقاربة في تقليص الخسائر المحتملة، سواء على مستوى الأرواح أو الممتلكات، وتعزيز ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم خلال الظروف المناخية الصعبة.

البعد الاجتماعي والإنساني في مواجهة موجة البرد
لا تقتصر مواجهة موجة البرد على الجوانب التقنية واللوجستيكية فقط، بل تحمل بعدًا اجتماعيًا وإنسانيًا عميقًا. فالتكفل بالفئات الهشة، وتوفير التدفئة، وضمان الولوج إلى الخدمات الصحية، كلها عناصر تندرج ضمن رؤية شمولية تروم صون كرامة المواطن، وتعزيز التضامن الوطني.

وتؤكد هذه الجهود أن مواجهة موجة البرد ليست مجرد عملية موسمية، بل جزء من سياسة عمومية تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية، وتحسين ظروف العيش بالمناطق القروية والجبلية.

 تعبئة مستمرة لحماية الساكنة من قساوة الشتاء
تُبرز معطيات وزارة الداخلية حجم التعبئة الوطنية لمواجهة موجة البرد، من خلال تدخلات شاملة، وتنسيق متعدد القطاعات، وموارد مهمة وُضعت رهن إشارة الساكنة المتضررة. وهي جهود تؤكد حرص السلطات على حماية الأرواح، وضمان استمرارية الحياة اليومية بالمناطق الجبلية، والتخفيف من الآثار السلبية للتقلبات المناخية.

وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، تظل مثل هذه المبادرات نموذجًا للتدخل العمومي المسؤول، القائم على الاستباق، والتضامن، والنجاعة الميدانية.