تشكل السياسات العمومية الداعمة للنهضة الرياضية بالمغرب رافعة أساسية لتحقيق التنمية البشرية وتعزيز الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، في ظل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، أن التكوين وتأهيل المنشآت الرياضية يحتلان موقع القلب في هذه السياسات، باعتبارهما الأساس الذي تُبنى عليه نهضة رياضية شاملة، مستدامة، وقادرة على صناعة الإنجاز وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية، خاصة في صفوف الشباب. جاءت هذه التأكيدات خلال افتتاح أشغال المنتدى الدولي حول الرياضة بالرباط، المنظم تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، ليعيد النقاش العمومي حول مستقبل الرياضة الوطنية، ويضع التكوين والبنيات التحتية في صدارة الأولويات.

السياسات العمومية الداعمة للنهضة الرياضية: رؤية استراتيجية شمولية
أبرز راشيد الطالبي العلمي أن السياسات العمومية في المجال الرياضي لم تعد تُقاس فقط بحجم الإنجازات الظرفية، بل بقدرتها على بناء منظومة متكاملة قوامها التكوين الجيد، والبنيات التحتية ذات الجودة، والوفرة، والقرب من المواطن. فهذه العناصر تشكل عصب النهضة الرياضية، لأنها تضمن الاستمرارية، وتوسع قاعدة الممارسة، وتؤسس للاحتراف والحكامة الجيدة. وتأتي هذه المقاربة انسجامًا مع التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب في مختلف القطاعات، حيث باتت الرياضة جزءًا لا يتجزأ من السياسات التنموية.

الرسالة الملكية لسنة 2008: من التشخيص إلى الفعل
شكلت الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة سنة 2008 محطة مفصلية في مسار الرياضة الوطنية. فقد تضمنت هذه الرسالة تشخيصًا دقيقًا لوضعية القطاع، وحددت مكامن الخلل، وقدمت توجيهات واضحة لتوسيع نطاق الممارسة الرياضية ودمقرطتها. وأكد الطالبي العلمي أن هذه الرسالة، إلى جانب الرعاية الملكية المتواصلة للشأن الرياضي، كانت الحافز الأساسي وراء الانعطافات الإيجابية والمنجزات التي تحققت لاحقًا، سواء على مستوى النتائج أو على مستوى البنيات والتنظيم.

خطة وطنية متعددة المداخل لتطوير الرياضة
اعتبر رئيس مجلس النواب أن الرسالة الملكية شكلت بمثابة خطة وطنية مؤسسة على رؤية مستقبلية متعددة الأبعاد، تشمل اعتماد إطار تشريعي ملائم، وتطوير التكوين والتأطير، وضمان التمويل المستدام، وبناء وتأهيل المنشآت الرياضية، إضافة إلى تكريس الحكامة والاحتراف. هذا التكامل بين المداخل المختلفة مكّن من إرساء أسس صلبة لمنظومة رياضية حديثة، قادرة على مواكبة المعايير الدولية، وفي الوقت نفسه ملائمة للسياق الوطني.

الاستراتيجية الوطنية للرياضة 2008-2020: عشرية التأسيس
تنفيذًا للتعليمات الملكية السامية، تم اعتماد الاستراتيجية الوطنية للرياضة 2008-2020، التي حددت عشرة أهداف كبرى، منطلقها تكريس الرياضة حقًا أساسيًا لكل المواطنين، وجعلها أداة للإدماج والتماسك الاجتماعي، وتعزيز حكامة القطاع، وتطوير المنشآت والممارسة الرياضية. وقد شكلت هذه الاستراتيجية إطارًا مرجعيًا لبرامج ومشاريع متعددة، ساهمت في توسيع العرض الرياضي، وتحسين جودة التكوين، وتحديث البنيات التحتية في مختلف جهات المملكة.

ثمار الرؤية: إنجازات رياضية لم تأتِ صدفة
لفت الطالبي العلمي إلى أن ما حققته الرياضة الوطنية في السنوات الأخيرة، سواء في ألعاب القوى أو في كرة القدم، إضافة إلى رياضات أخرى كالغولف والفروسية، لم يكن وليد الصدفة. بل هو نتيجة رؤية واضحة، واستثمار متواصل في التكوين والمأسسة والتنظيم، وتحفيزات وسياسات إرادية هدفت إلى تمكين العرض الرياضي من منشآت قادرة على استيعابه. هذا المسار جعل من الإنجاز الرياضي تتويجًا طبيعيًا لعمل تراكمي طويل الأمد.

التكوين: حجر الزاوية في النهضة الرياضية
يشكل التكوين، وفق المتدخلين في المنتدى الدولي حول الرياضة، حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي رياضي. فبدون تكوين مؤطرين، ومدربين، وحكام، ومسيرين مؤهلين، لا يمكن تحقيق الاستدامة أو المنافسة على أعلى المستويات. وقد استثمر المغرب بشكل متزايد في معاهد التكوين، وبرامج التأهيل، والشراكات مع مؤسسات دولية، بهدف الرفع من جودة الرأسمال البشري الرياضي.

تأهيل المنشآت الرياضية: الجودة، الوفرة، والقرب
إلى جانب التكوين، يحتل تأهيل المنشآت الرياضية مكانة محورية في السياسات العمومية الداعمة للنهضة الرياضية. فالجودة تضمن السلامة والنجاعة، والوفرة تتيح توسيع قاعدة الممارسة، والقرب من المواطن، خاصة الشباب، يشجع على الانتظام والاستمرارية. وقد شهدت السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع كبرى لتشييد ملاعب حديثة، وقاعات مغطاة، ومراكز تدريب، موزعة على مختلف الأقاليم، في إطار مقاربة مجالية منصفة.

نهضة رياضية دامجة ومبدعة
اعتبر الطالبي العلمي أن النهضة الرياضية الوطنية الشاملة والدامجة تتميز بالإبداع، وتشكل نموذجًا متفردًا يلائم الخصوصيات الوطنية، مع تفاعل ذكي مع الممارسات الدولية. فهذا النموذج يجمع بين احترام المعايير العالمية من حيث التجهيزات والنموذج الاقتصادي، وبين تثمين الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمغرب، ما يمنح التجربة المغربية بعدًا إنسانيًا وتنمويًا متميزًا.

التظاهرات الرياضية الكبرى: من الكلفة إلى الفرصة
في سياق متصل، أشار رئيس مجلس النواب إلى حرص المغرب على تحويل كلفة احتضان التظاهرات الرياضية القارية والدولية إلى فرصة حقيقية. فهذه الأحداث تشكل مناسبة لتجهيز المدن، وتطوير الخدمات العمومية، وعصرنة البنيات الأساسية الاستراتيجية. كما تساهم في تعزيز الجاذبية الاستثمارية، وتنويع الأسواق السياحية، والتعريف بحضارة المغرب وتاريخه، ما يجعل الرياضة رافعة للإشعاع الدولي.

المنتدى الدولي حول الرياضة: فضاء للحوار والتفكير الجماعي
يندرج تنظيم المنتدى الدولي حول الرياضة في إطار أعمال المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم الاستراتيجية الوطنية للرياضة 2008-2020، تحت شعار “نحو استراتيجية وطنية للنهوض بالرياضة”. ويشكل هذا المنتدى فضاءً للحوار المسؤول، ومنصة للتفكير الجماعي في المداخل الممكنة لمواصلة تطوير السياسات الرياضية الوطنية، وتكريس الرياضة كركيزة أساسية للتنمية البشرية والاندماج الاجتماعي والاقتصادي.

مشاركة متعددة تعكس أهمية الرهان
عرف هذا اللقاء مشاركة وازنة لأعضاء من الحكومة والبرلمان، وممثلين عن المؤسسات الوطنية والدولية، وجامعات، وأندية، وجمعيات رياضية، إلى جانب خبراء، وأساتذة، وإعلاميين، وفاعلين رياضيين مغاربة وأجانب. وقد ناقش المشاركون قضايا محورية، من قبيل الحكامة، والتمويل، والتكوين، والتأطير، والإعلام الرياضي، بما يعكس الوعي الجماعي بأهمية الرهان الرياضي في مغرب اليوم والغد.

تؤكد مداخلات المنتدى الدولي حول الرياضة أن السياسات العمومية الداعمة للنهضة الرياضية بالمغرب تسير في اتجاه ترسيخ نموذج متكامل، قوامه التكوين الجيد، والمنشآت المؤهلة، والحكامة الرشيدة، والرؤية الملكية المتبصرة. ومع استمرار الاستثمار في الإنسان والبنية، تظل الرياضة رافعة استراتيجية لتحقيق التنمية، وتعزيز مكانة المغرب إقليميًا ودوليًا، وصناعة مستقبل رياضي يليق بطموحات الشباب المغربي.

الموضوع التالي
هذا آخر المواضيع
الموضوع السابق
رسالة أقدم