تشكل تعاونيات التمور بجهة درعة تافيلالت نموذجًا ناجحًا في تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب، حيث تساهم بشكل فعّال في تثمين المنتوجات المحلية وخلق فرص الشغل، خاصة لفائدة النساء والشباب. ومع تزايد الاهتمام بسلسلة النخيل ضمن استراتيجية “الجيل الأخضر”، أصبحت هذه التعاونيات محورًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة، من خلال تطوير الإنتاج وتحسين جودة التمور وتوسيع أسواقها الوطنية والدولية.
تعاونيات التمور: دعامة أساسية للاقتصاد التضامني
تلعب تعاونيات التمور دورًا محوريًا في دعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إذ تعمل على إدماج فئات واسعة من المجتمع في الدورة الاقتصادية، خاصة في المناطق الواحية التي تعتمد بشكل كبير على زراعة النخيل. وتتيح هذه التعاونيات فرصًا حقيقية لتحسين مستوى العيش، عبر توفير دخل قار للأسر وتشجيع المبادرات المحلية.
وتتجاوز أهمية هذه التعاونيات الجانب الاقتصادي، لتشمل أبعادًا اجتماعية وتنموية، حيث تسهم في تمكين النساء القرويات وتعزيز استقلاليتهن الاقتصادية، إضافة إلى خلق دينامية اقتصادية محلية قائمة على الإنتاج والتعاون والتضامن.
سلسلة التمور: من الإنتاج إلى التسويق الحديث
تعتمد تعاونيات التمور بجهة درعة تافيلالت على سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من جني التمور، مرورًا بعمليات الفرز والتخزين، وصولًا إلى التحويل والتسويق. وتُعد هذه السلسلة من بين أهم السلاسل الفلاحية ذات القيمة المضافة العالية في المغرب.
ويشكل تحديث أساليب التسويق أحد أبرز التحديات التي تعمل التعاونيات على مواجهتها، من خلال اعتماد تقنيات حديثة في التعبئة والتغليف، والولوج إلى الأسواق الرقمية، وتنظيم قنوات التوزيع. كما تسعى إلى تحسين جودة المنتجات لتلبية المعايير الوطنية والدولية، مما يعزز من تنافسيتها في الأسواق الخارجية.
استراتيجية “الجيل الأخضر” ودعم سلسلة النخيل
في إطار الرؤية الاستراتيجية للقطاع الفلاحي، وضعت الدولة سلسلة النخيل في صلب برنامج “الجيل الأخضر”، إدراكًا لأهميتها الاقتصادية والاجتماعية. ويهدف عقد البرنامج الخاص بتنمية هذه السلسلة إلى تحقيق تحول نوعي في الإنتاج والتسويق، مع التركيز على الاستدامة وتعزيز قدرات التعاونيات.
ويرتكز هذا البرنامج على تطوير البنيات التحتية للتخزين والتوضيب، وتحديث قنوات التوزيع، إضافة إلى دعم الفاعلين المحليين عبر التكوين والمواكبة التقنية. كما يسعى إلى رفع تنافسية التعاونيات وتمكينها من ولوج أسواق جديدة.
تعاونية “عرصات النخيل”: نموذج ناجح للتنمية المحلية
تُعد تعاونية “عرصات النخيل” بمدينة أرفود بإقليم الرشيدية مثالًا حيًا على نجاح التعاونيات في تحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والتضامن الاجتماعي. فقد تمكنت هذه التعاونية، منذ تأسيسها سنة 2010، من تطوير أنشطتها بشكل ملحوظ، لتشمل إنتاج التمور وتخزينها وتلفيفها وتسويقها.
وتضم التعاونية تسعة أعضاء، وتتوفر على بنية تحتية مهمة تشمل غرفتي تبريد بطاقة تخزين تصل إلى 80 طنًا، وقاعات مخصصة للفرز والتلفيف، بالإضافة إلى وحدة لإنتاج عجين التمر. وتساهم هذه الإمكانيات في تحسين جودة المنتوج وضمان استمرارية التزود بالتمور على مدار السنة.
وأكد مسير التعاونية، عثمان طاهري علوي، أن الدعم الذي تقدمه وزارة الفلاحة من خلال التكوين والتأطير والمواكبة الميدانية، كان له دور كبير في تطوير أداء التعاونية وتعزيز قدراتها الإنتاجية والتسويقية.
معايير الجودة والتنافسية في الأسواق الدولية
تسعى التعاونيات، ومن بينها “عرصات النخيل”، إلى الالتزام بأعلى معايير الجودة، سواء في الإنتاج أو التخزين أو التعبئة. ويعد احترام هذه المعايير شرطًا أساسيًا للولوج إلى الأسواق الدولية، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة في قطاع التمور.
وتعتمد هذه التعاونيات على أنظمة تتبع دقيقة تضمن سلامة المنتوج وجودته، مما يعزز ثقة المستهلكين ويزيد من فرص التصدير. كما تعمل على تطوير منتجات مشتقة من التمور، مثل عجين التمر، لرفع القيمة المضافة وتنويع مصادر الدخل.
أهداف طموحة لتنمية سلسلة النخيل في أفق 2030
يروم عقد برنامج تنمية سلسلة النخيل تحقيق مجموعة من الأهداف الطموحة بحلول سنة 2030، من بينها غرس خمسة ملايين نخلة، وتوسيع المساحات المغروسة خارج الواحات التقليدية لتصل إلى 21 ألف هكتار. كما يسعى إلى رفع الإنتاج الوطني من التمور إلى 300 ألف طن، وتحسين نسبة التخزين لتبلغ 50 في المائة.
ومن بين الأهداف أيضًا زيادة نسبة تثمين التمور إلى 10 في المائة، وتطوير الصادرات لتصل إلى 70 ألف طن، وهو ما يعكس الرهان الكبير على هذه السلسلة كرافعة للتنمية الاقتصادية.
التوزيع الجغرافي لسلسلة التمور بالمغرب
تغطي زراعة النخيل حوالي 69 ألف هكتار بالمغرب، وتتمركز بشكل أساسي في جهة درعة تافيلالت التي تستحوذ على 80 في المائة من المساحة الإجمالية. تليها جهة سوس ماسة بنسبة 13 في المائة، ثم الجهة الشرقية بنسبة 4 في المائة، وجهة كلميم واد نون بنسبة 3 في المائة.
ويبرز هذا التوزيع أهمية جهة درعة تافيلالت كقطب رئيسي لإنتاج التمور، مما يجعلها محورًا أساسيًا في أي استراتيجية وطنية لتطوير هذه السلسلة.
دور التعاونيات في تحقيق التنمية المستدامة
تساهم تعاونيات التمور في تحقيق التنمية المستدامة من خلال خلق فرص الشغل، وتحسين دخل الساكنة المحلية، والحفاظ على الواحات كتراث بيئي وثقافي. كما تعمل على تعزيز الاستغلال المستدام للموارد الطبيعية، خاصة المياه، في ظل التحديات المناخية التي تواجه المناطق الواحية.
وتشكل هذه التعاونيات نموذجًا ناجحًا للتنمية القائمة على التضامن والتكافل، حيث تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مما يجعلها ركيزة أساسية في تحقيق التنمية الشاملة.
في ظل التحولات التي يشهدها القطاع الفلاحي بالمغرب، تبرز تعاونيات التمور بجهة درعة تافيلالت كفاعل رئيسي في تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتحقيق التنمية المستدامة. ومن خلال الدعم المؤسساتي والاستراتيجيات الطموحة، أصبحت هذه التعاونيات قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق قيمة مضافة حقيقية، سواء على المستوى المحلي أو الوطني أو الدولي.